العنف وأشكاله المشينة

العنف وأشكاله المشينة.

نحن نعيش في دائرة عنف مستمرة، تظهر من خلال التفاعلات فيما بيننا، فلو راقبنا أنفسنا لفترة قصيرة من الزمن فسوف نلاحظ أننا نرتكب يومياً أشكال متعددة من العنف ، سواء بطريقة مقصودة أو غير مقصودة . إن العنف قوة متهورة وغير متزنه وغير عادلة بين الضحية والقائم به، منه ما هو ظاهر ومنه ما لا نستطيع اكتشافه بسهولة. ان معظم اشكال العنف وصوره  البشعة تمارس بشكل خاص على الأطفال،و لا نستثني المرأة، كبار السن ، وذوي الاحتياجات الخاصة،  العمال والفئات المعرضة لخطر العنف  . إن العنف لا يترك فقط الأثر السيء، بل يتعدى الأمر أن يتعلم الشخص المساء إليه أساليب ممارسة العنف، ويقوم بتقليدها وإسقاطها على الآخرين المحيطين به.

من الضروري معرفة اشكال العنف حتى نكون على وعي بطريقة تعاملنا مع الآخرين وخاصة المحيطين بنا، وحتى ندرك مدى تأثيرها عليهم. فالعنف الجسدي يمارسه الجاني باستعمال الضرب واللكم والشد ولوي الذاع والحبس القسري والتقييد بالكرسي أو السرير أو الشجرة… إلخ. أما العنف العاطفي فهو يحدث عندما يقوم الشخص المعنف بقول أو فعل من شأنه أن يقلل من قيمة الضحية ليشعره بعدم الكفاءة وانه بلا فائدة،  وهذا يتجلى باللوم والتوبيخ والنقد اللاذع والتهديد والاستهزاء وغيرها من الطرق المؤذية.

أما أقسى أنواع العنف فهو  العنف الجنسي ويحدث عندما يدفع الجاني  الأطفال دون (18) عام ليكونوا جزء من ممارسات جنسية شاذة وغير متوقعة وصادمة ،  كالتقبيل والعض والمداعبة أو حتى الممارسة الجنسية  الكاملة تحت تأثير السلاح أو التهديد بإيذاء أحد أفراد العائلة، وله مؤشرات قد أتحدث عنها  لاحقاً حتى نستطيع اكتشافه ومساعدة الضحية على تخطي هذه الأزمة.ويندرج تحت هذا النوع  عمالة الأطفال والزواج المبكر ، واستغلال الأطفال والنساء  بالدعارة.

أما عن العنف النفسي فله تأثير داخلي  قوي،  خاصة عندما يقوم الشخص المتسبب بالعنف باستخدام التهديد لبث الرعب وعدم الأمان بداخل الضحية حتى يستطيع السيطرة عليها والتحكم بها، كالتهديد بالإيذاء و الرحيل أو الهجر، الملاحقة، تدمير ممتلكات الشخص، وحرمانه من الحب والعطف . وهذا النوع من أنواع العنف ليس من السهل التعرف عليه، فلا يظهر على الضحية آثار عنف جسدية واضحة كمؤشرات العنف الجسدي.

ومن أكثر أنواع العنف انتشاراً بين الناس هو العنف اللفظي، ويحدث عندما يقوم الشخص باستخدام اللغة المنطوقة والمكتوبة حتى يؤذي مشاعر الطرف الآخر ، وينعته بصفات سيئة وغير إنسانية كالإهانات والشتائم والصراخ والكذب وهذا ما نشهده أحياناً على مواقع التواصل الاجتماعي. وهناك العنف العقائدي والفكري، والأساس في هذا النوع هو استخدام شخص ما للمعتقدات الروحية أو العقائدية أو الفكرية للتلاعب والسيطرة على شخص آخر لتلبية رغباته وتنفيذ مخططاته.

ولا ننسى أن الإهمال بحد ذاته يندرج تحت أشكال العنف، ويحدث عندما يتحمل شخص ما مسؤولية توفير الرعاية والمساندة لشخص آخر ولكنه يمتنع عن ذلك، سواء بشكل مقصود أو غير مقصود كتجاهل المتطلبات الأساسية للشخص المعني كالطعام والمأوى والعلاجات الضرورية.  ونرى هذا النوع من العنف داخل الأسر التي تعاني من التفكك الأسري و عندما ينشغل الآباء والأمهات بالعمل ويهملوا حاجات أطفالهم.

وهناك العديد من الأساليب التي تتمحور حول العنف وإيذاء الطرف الآخر ، كالعنف الإقتصادي ،العنف السياسي المدروس ، العنف المجتمعي  والعديد .  لكنها تجتمع بالنتيجة النهائية ألا وهي التسبب بالأذى للطرف الآخر وإهانته والسيطرة عليه ، مما يحفزه أحياناً على الإنتقام والرد بشكل أقسى مما تعرض له.

يوماً بعد يوم يزداد العنف بالعالم، ويتدرج من العنف بالنظرة إلى القتل،  فكل خمس دقائق يموت طفل نتيجة للعنف، ويختبر تجربه العنف تقريباً بليون طفل حول العالم بغض النظر عن نوعه. سواء بالدول الغنية أو الفقيرة، بالمدارس والبيوت وغيرها.  عدا عن العنف الموجه للنساء، فقد أثبتت تقارير منظمة الصحة العالمية أن واحدة من ثلاث نساء بالعالم تتعرض لأشكال العنف ، وهذه نسب غير بسيطة علينا العمل بكل المجتمعات على الحد منها حتى نقلل عدد الوفيات الناتجة عن  ممارسات العنف بأشكاله المشينة .

رانيه إسماعيل

طالبة دكتوراة

قسم الإرشاد النفسي

Advertisements